قصة قصيرة ✨


" مكالمة خادعة "

- لا أعلم أين أنت ، و لا ماذا فعلت ، و لكنهم يبحثون عنك و يعلمون بشأننا .
أنهى مكالمة أخته على الفور دون أن ينبس بشفة ، كان متأكدا من أن هذا اليوم س يأتي ، لكنه لم يدر ماذا سيفعل ، دار بنظراته في غرفة القبو الضيقة التي يشغلها، و تأمل ساعة الحائط  برهة ، قبل أن  يوجه تركيزه نحو الحاسوب الذي كان فوق المكتب ،- أو بالأحرى الطاولة القديمة الرثة التي إتخذها مكتبا -، إنتابه إحساس خفي بالقلق ، و شعر أنهم قد يعثرون عليه ، ف هل يجدر به أن يتخلص من حاسوبه ؟ و لكن حياته كلها تتلخص فيه ! كل تلك الليالي البيضاء ، و الأيام السود ، و الساعات الطوال من البحث و التنقيب ، كلها هناك مجتمعة في جهاز واحد !
لا لن يضيع ما أفنى عمره فيه ، و لكن ماذا إن أذوا عائلته ؟ هل يستحق الأمر كل هذا ؟ و غاص في دوامة من الأفكار السودواية ، و إبتلع ريقه بصعوبة عندما سمع أصوات رجالية فوق غرفته تماما ، و شعر أن مخبئه سيكشف بعد حين ، فلم يملك إلا أن إنقبض على نفسه و هو يدعو في سره أن ينتهي الأمر سريعا .
و ما هي إلا دقائق مرت عليه دهرا ، حتى خيم سكون قاتل على الأجواء ، أرهف سمعه ليتأكد من مغادرتهم ، فلم يسمع سوى خفقات قلبه المتسارعة .
حينها إستجمع الأجزاء المبعثرة من رباطة جأشه ، و صعد السلم بخطوات مرتجفة ، قبل أن يفتح الباب بهدوء و يلقي نظرة بحذر . لم يتبين وجود أي شخص في المنزل ، ف تملكه شعور ممزوج بين الرضا و الهلع .
نادى على أخته ب صوت منخفض ، أقرب إلى الهمس ، و عندما لم يسمع ردا ، قرر وضع حد لمخاوفه ، ف أغلق الباب ب مفتاح كان يرتديه ك قلادة ، و بخفة إتجه إلى صالون المنزل ، و من ثمة المطبخ ، و لما لم يجد أحدا هناك ، صعد إلى غرف النوم ، ف وجدها خالية هي الأخرى .
و رغم ظاهره الذي أوحى بالثبات ، فإن روحه قد خطت خطوة كبيرة نحو العالم الآخر .
إستند على الحائط ثم جلس على الأرض بهدوء و راح يتأمل ما حوله بنظرات فارغة .
لقد أخذوا عائلته ، لن يرى أمه أو أخته أبدا ، كان هذا كل ما يشغل تفكيره ، كان متأكدا أنها مسألة وقت قبل أن يتخلصوا منه هو الآخر .
و سرت في جسدة رعدة شديدة ، إذ شعر و كأن أحدهم لمسه ، قبل أن ينتبه إلى إهتزاز هاتفه ، تناوله بين يديه في عجلة ، و قرأ الإسم على شاشته بصعوبة ، إذ حجبت دموعه الحروف عن عينيه ، إنها أخته ! إنهم يتصلون من رقمها ، هل سيطلبون فدية ؟ إنه كان مستعدا لفدائهم بحياته !
- أين أنت ؟ صاحت أخته ب غضب .
- هل أنت بخير ؟ قال في ذهول و هو لا يكاد يصدق أذنيه .
- كلا إنني لست كذلك ، أحاول الإتصال بك منذ فترة ليست بقصيرة ، و لكنك هاتفك خارج مجال التغطية ، إن حضورك إجباري ، فنحن بحاجة لتوقيعك على العملية .
- أي عملية ؟ إستغرب و قد بدأ يستوعب كلامها .
- عملية أمي يا غبي ، إن أحد المحسنين قد تكفل ب حالتها و سيدفع الثمن كاملا ، أ لست تعلم ذلك ؟ ظننت أنك أنت من تواصل مع الجمعية الخيرية !
- لا ، لم يكن لدي فكرة ، و مرر يده على جبهته في حيرة ، من ذا الذي سمع عن مرض والدته المستعصي ، و عن حاجتها الشديدة إلى تلك العملية !؟ و لكن هذا لا يهم الآن ، ف ستتحسن أمه أخيرا ، ما عليه سوى التوقيع  ، أغلق الخط و أخبر أخته أنه سيصل خلال دقائق .
ثم نهض من مكانه بحماس ، و غادر بيته  على الفور .
حينها خرج رجل طويل القامة ، حاد الملامح ، من وراء الستار القديم  للصالون ، ثم تحدث إلى جهاز صغير كان بين يديه قائلا " سيدي لقد غادر الهدف بيته للتو ، ما التالي ؟ "
" هل حددت مكان حاسوبه ؟ "
- أجل بالفعل يا سيدي ، إنه يبقي أعماله في قبو المنزل .
" جيد ، تخلص من كل الأوراق و الملفات ، و أحضر الحاسوب أو أي جهاز إلكتروني تصادفه ، مهما بدا لك تافها"
- متأكد يا سيدي ؟
" نعم ، إنه طور تلك البرامج الخبيثة فقط ليحصل على المال الكافي لوالدته و قد حققنا له مراده "
- كان ليحقق ثروة في السوق  السوداء يا سيدي بمثل تلك الأفكار .
" و لكنه لن يفعل ، إحرص على أن لا يفعل "
- لك ذلك يا سيدي .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة شائعة عن الكتابة ⁦✍️⁩ الجزء الأول

قصة قصيرة ✨

أسئِلة شائعة عن الكتابة⁦✍️⁩ الجزء الثاني